الخبر.أنفو صحيفة مجتمع المعلومات







متطرّفون في الشفافية


               إعرض في إعرض في

تيري كروزيت (تعريب الخبر.آنفو): تعالت أصوات كثيرة مُطالبة بشفافية كاملة بخصوص المعلومات الحكومية، ولطالما وقفت إلى صف هؤلاء المتطرفين قبل أن أخلص إلى موقف أكثر انزياحا


متطرّفون في الشفافية
لقد أكّدت، في مقالي عن الشعبوية والإبداع، أن الشفافية التّامة بالنسبة لفرد أو مقاولة أو حتى بالنسبة لمجتمع الـ"مصدر المفتوح" (open source) ليست البلسم الشّافي، على الأقل خلال مرحلة أولى: الشفافية التّامة، والفورية، تؤدي إلى انحلال البيانات في الفضاء الإعلامي. في بعض الحالات، يجب ترك الأشياء حتى بلوغها النضج قبل عرضها على النقد العام، وذلك ينطبق على جميع المواطنين المنتخبين وغيرهم. إنّ هذه العتمة التي تعزز التحولات الإبداعية من شأنها تعزيز تحولات خبيثة، لكننا غير قادرين على بيع الحليب وأكل محتواه من الزّبدة في ذات الآن.

أرغب، باعتباري كاتبا، في الحصول على قدر من السرية أثناء العمل على نصوصي. ويمكنني الاستمتاع بالكتابة المباشرة على "الويف" أو تويتر وأيضا في موقع "الحملة الصّليبية" (http://twiller.tcrouzet.com/) لكنها تبقى مجرّد تجربة، فأنا لا أعتزم وضع كاميرا رقمية فوق لوحة مفاتيحي على الدّوام (خاصة مع فظاعة أخطائي الإملائية).

لنفترض إذن أنّ سلطة خامسة تشكّلت واستمدّت قوتها من الأفراد. لا يمكن لهذه السلطة أن تكون شفافة بشكل كامل لأن كل واحد من هؤلاء الأفراد لن يبتغي ذلك خوفا على نفسه وعلى معلوماته الشخصية من الابتذال. وعليه فالحديث عن شفافية خالصة بالنسبة لحكومة مركزية يبدو لي في غير محلّه، بل طوباويا: تكفينا معاينة سياسة أوباما الذي يفتح من جهة ويقفل من أخرى.

لابدّ لنا من حق أدنى في الشفافية. مثلا، عندما أعطي المال لمؤسسة بنكية، يتعيّن عليّ طلب كشوفات عن كل ما يفعلونه بمالي. وحبذا لو نبدأ باستواجب هذه النوعية من الحقوق، لأننا عاجزون عن العيش داخل عالم شفاف في عمومه. من أين تبدأ الشفافية، وأين تنتهي؟ ونحن نجيب عن هذا الاستفسار ستعود إلى أذهاننا الوضعية الشهيرة لانزلاق فأرة الحاسوب على الشاشة دون مقدرة منا على تثبيتها.

عندما يصبح كل شيء مرئيا في عالمنا هذا (كما هو الحال مع الجنس مثلا) فماذا سيحدث مع المواضيع التي كانت سرية قديما؟ يسأل الفيلسوف جون بودغيار. ستصبح غامضة، شريرة وغير شرعية: فما كان سرا عاديا، بمعنى نتبادله في سر، أضحى قبحا يجب إبطاله وإبادته.
إنّ حظر الأسرار لن يفعل إلا الزيادة في عددها. بذريعة كشف كل شيء، قد نخفي الأشياء الأكثر ظلامية ولكي نتوفر على أسرار للإخفاء ستُرتكبُ أفعال غير مقبولة. ستتحول الشفافية ذاتها إلى شر – فقدان كل الأسرار، يضيف بودغيار. تماما كما في "الجريمة الكاملة"، حيث الكمال بعينه يتحول إلى إجرام.

يثير لاورنس ليزن انتباه الناس إلى مخاطر الشفافية (http://www.tnr.com/article/books-and-arts/against-transparency) ولست متفقا معه حينما يقول أن كثرة البيانات تقتل البيانات وتجازف باستقراءات مشكوك فيها. يتعين علينا إذن اللّعب في الضوء والعتمة، فأنا أعتقد بأن العامة والنخبة يمكنها تحليل البيانات على نفس النحو ما دام تعلم القراءة واردا، إذ أني لا أشك في الذكاء المشترك ولا أعتقد أن المتخصصين أكثر نباهة من العوام.
ومع ذلك، أتخيل جيدا مدى أهمية الحصول على إحصاءات دقيقة حول الجريمة في مدينة ما، حيا بحيّ وشارع بشاريعٍ. وأتصور أيضا كيف أن قيمة العقارات ستتغير، وكيف أن الأماكن الوعرة ستتحول إلى مناطق منعزلة وبالتالي أكثر خطورة. إنّ بعض المعلومات تضرنا أكثر مما قد تنفعنا، أم أنكم تودّون معرفة ساعة موتكم؟

توفير الشفافية من طرف التكنولوجيا لا يعني تعميم ذلك، فالحق في الأسرار باق. وإن حصلنا على هذا الحق الفردي فإننا سنكفل أسرار الكيانات الجماعية. بمعنى آخر، من الضروري تحديد المعلومات القابلة للتعميم من المعلومات الخاصة والسرية، على الأقل بفورية أضعف.

ملاحظات:
- لم أؤسّس السلطة الخامسة على الشفافية وإنما على مقدرتنا على لامركزة السلطات، فليس من حقنا أن نطلب شيئا من السلطة القائمة، حتى لو كان هذا الحق هو الشفافية نفسها.
- قد تجلب لنا التكنولوجيا الصالح والطالح.، لذلك يجب أن نقاتل من أجل الصالح.

الاثنين 9 نونبر 2009


تعليقات على المقالات

1.أرسلت من قبل Tarik ESSAADI في 2009-11-11 12:13
سنترجم مواد شبيهة في الأيام القليلة المقبلة
http://twitter.com/emouaten


في نفس الركن
< >

الثلاثاء 20 يوليوز 2010 - 04:02 أو هكذا يكون خير خلف سياسي لخير سلف؟

السبت 3 يوليوز 2010 - 00:00 هل تقبل الجزائر باستفتاء لسكان الصحراء الشرقية ؟