الخبر.أنفو صحيفة مجتمع المعلومات







فقهاء النميمة- عبد الدائم السلامي


               إعرض في إعرض في

أزعم أنّ العادةَ، لا قطعَ الله لنا عادةً في الأرضِ، هي التي تحكمُ أغلبَ نشاطاتِنا الفكريّة والاجتماعيّة والثقافية والاقتصادية والعاطفيّةِ. والعادةُ، على ما نعرِفُ، هي كلّ سلوكٍ يطمئنُّ إليه الإنسانُ فيُكرِّرُه في الزّمنِ ويرحل به أحيانًا في المكان حتى يتعوّدَه الآخرون وتتناقلُه الأجيال في دوريّة ذهنيّة أو زمانيّة منتَظِمةٍ فيرتقي من حيِّزِ الفعلِ اليوميِّ العاديِّ إلى محلِّ القانون الذي ينتظمُ حراك مجموعة بشريّةٍ على الأرضِ. وتتوفّرُ العادةُ، عادةً، على جهازٍ مناعيٍّ يحميها من الاندِثارِ ويمكِّنها من آلياتٍ هجوميّةٍ تحمي بها نفسَها في وجهِ العاداتِ الجديدةِ. وإذْ تفعلُ ذلك، تكتُبُ تاريخَها وتؤلِّفُ فقهَها الخاصَّ وتزدادُ تغلغُلاً في أذهانِ الناسِ، فلا يقمعُ جموحَها إلاّ نبيٌّ أو فيلسوفٌ مارِقٌ عن المألوفِ لا يخشى الموتَ أو رَجُلٌ مثلي يُجيدُ المشيَ اللغويَّ على أجسادِ البَيْضِ


عبدالدائم السلامي
عبدالدائم السلامي
ولعلَّ من أوفرِ عاداتِنا العربيّة الراهنةِ النميمةَ. فهي فعلٌ يأتيه البعضُ منّا في النهار أو الليلِ، وفرادى أو جماعاتٍ، وحَزانى أو سعداء. بل هي بالنسبة إلى هؤلاءِ مثل الماءِ يكونُ بها كلُّ شيءٍ فيهم حيًّا مثل الحيّاتِ الصحراويّةِ. فهم لا يستطيعُون ذِكْرَ أحدٍ إلاّ بما فيه من سيِّئاتٍ. ولا يمكنُ لهم أن يتخيّلوا شخصًا إلاّ في إهاباتٍ سيّئةٍ رغم ما فيه من جمالِ اللسانِ والفِكْرِ والسلوكِ. فإذا ذُكِرَ أمامَهم كاتِبٌ مَّا، قاتلوه وقالوا إنّه رديءُ الأسلوبِ سلفيُّ اللغةِ (لأنّه أقدرُ منهم على ضبطِ إعرابِها) ذو أفكارٍ بدائيّةٍ (وذلك لأن لغتَه أجملُ من لغاتِهم)، بل قد يُضيفُون بأنّه لا يعرِفُ قوانينَ اللعبةِ الكتابيّةِ مثلما يفهمونَها هم، حيث هو لا يُجيدُ المدحَ ويُجيدُ الهجاءَ جودةً عاليةً. ويسنسونَ أنّ صاحِبَهم الكاتِبَ، لو كان زعيمًا له سلطةٌ الفعلِ لَمَنَعَهم من عادةِ امتداحِه اليومَ بمقالةٍ وامتداحِهم غدًا فنّانةً إيروتيكيّةً بمقالةٍ أخرى مُساوِينَ بينَه وبينَ مطرباتِ العراءِ العربيِّ.
***
والذي في رأينا أنّ عادةَ هؤلاءِ النَمَّامينَ في فعلِ النَمِّ عادةٌ حميدةٌ يبحثونَ لها عن أتباعٍ يروِّجونَها في الزمانِ وفي المكانِ، ويستقطِبونَ لها الناسَ من كلٍّ فجٍّ عميقٍ. يفعلون ذلك ليكسبوا قوتَ أيّامِهم ويبيعون، بما كتبَ الله من دريهمات، خيراتِ أوطانِهم من العفّةِ ومكارمِ الأخلاقِ والشهامةِ والرجولةِ والصِّدقِ. ولكنّهم يتناسونَ أنّ النميمةَ عادةُ الضعفاءِ المُشَوَّهين لغويًّا والذين هم من ذوي الحاجات التواصليّةِ، الباكين دومًا من نجاحِ الآخرين، الدّاعين ربّهم أن يأخذَ الناسَ الناجحين جميعًا ليفرغَ لهم المكان. ولكنَّ اللهَ جميلٌ لا يقبلُ دُعاءَ النمّامينَ

عبدالدائم السلامي
السبت 15 ماي 2010



في نفس الركن
< >

السبت 26 يونيو 2010 - 18:05 طريق الشهرة السيار

الاثنين 29 يونيو 2009 - 00:00 ما و عرى غي البدا ية